اسماعيل بن محمد القونوي

494

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الموضع مجتمع الناس للسقي واشتغال الناس بالسقي الذي هو المقصود من الاجتماع ومنعهما عن السقي مع كون السقي مرادا لهما بل السقي أولا مقصودا لهما حيث خلصتا أنفسهما عن مخالطة الرجال وكونهما منظرين لهم ولما كان الأمر خلافه كان سبب مرحمة موسى عليه السّلام مجرد سقي الناس وذودهما بدون مدخلية المفعول المعين قوله على عفتهما يدل على ما ذكرناه لأن العفة تقتضي تعجيل الذهاب عن مجتمع الرجال مع أنهما أخرا ولم تفارقا عن مجلسهم وفهم عليه السّلام اضطرابهم بالقرينة الحالية التي هي أقوى من القرينة القولية فبعث كمال الترحم إلى التكلم مع الأجنبية والسقي لهما على أن التكلم مع الأجنبية الشابة ربما يساعد حين الأمن لا سيما عند الحاجة مع أن التكلم معها يجوز أن يكون مشروعا في هذا الوقت فلا يرد ما أورده شارحا المفتاح السعد والشريف حيث قالا وما اختاره صاحب المفتاح أدق وأحسن وادعى الشريف فساد المعنى بدونه ولا يظهر وجهه بل المعنى أحسن براعة على ما قررنا مراد الشيخين ألا يرى أن قولنا فلان يعطي أي يفعل الإعطاء وفلان لا يعطي أي لا يفعل الإعطاء كاف في المدح والذم بلا ملاحظة المعطى درهما أو دينارا أو غير ذلك وكذا يكفي بيان فعل السقي والذود في كونه باعث الترحم على أن المسقي والمذود هنا والمعطى هناك مفهوم في الجملة إذ لا يتصور السقي والذود ذهنا وخارجا بدون المسقي والمذود كما في الإعطاء فلا التباس ولا فساد وأما ما قاله قدس سره ألا يرى أنهما لو كانتا تذودان مواشيهم وكانوا يسقون غنمهما لم يصح الترحم فلا يصح أن يقال إن ترحمه كان لأجل أنهما كانتا على الذود والناس على السقي فمع بعده لانصباب الكلام إلى إرادة يسقون مواشيهم الخ قلنا نعم لأن صاحب المفتاح نظر إلى جانب اللفظ وإن ترك المفعول لصون الكلام عن العبث وتعاضد قرائن الأحوال الدالة على المتروك وصاحب الكشاف نظر إلى جانب المعنى وأن المفعول مرفوض غير ملتفت إليه ولكل وجهة فإن قيل فعلى هذا يكون من تنزيل الفعل المتعدي منزلة اللازم إيهاما للمبالغة فأين المبالغة قلنا هو وهم بعيد لأن معنى قوله لأن الغرض هو الفعل لا المفعول أنهم قد يقصدون في الكلام المحتوي على معان إلى معنى منها قصدا أوليا ويوهمون أن ما سواه مطرح ألا يرى إلى قوله في تفسير قوله تعالى : فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ [ يس : 14 ] ترك المفعول به لأن الغرض المعزز به وإذا كان الكلام منصبا إلى غرض من الاغراض جعل سياقه له وتوجهه إليه كأن ما سواه مرفوض مطرح فإن قيل جوابهما لا يطابق ظاهرا لسؤال موسى لأنه عليه السّلام سألهما عن شأنهما ومطلوبهما وكان ظاهر الجواب أن تقولا شأننا أننا نريد السقي ولا قدرة لنا عليه من المزاحمة وهما لم تجيبا بهذا الجواب الظاهر وعدلتا عنه إلى بيان سبب الذود وترك السقي لأن معنى جوابهما أن سبب ذودنا ضعفنا وعجزنا وعجز متولي أمرنا وهو أبونا فما وجهه أجيب بأن المراد بقوله فما خطبكما ما سبب ذودكما وإنما عدل عليه السّلام عن السؤال الظاهر إلى قوله : ما خَطْبُكُما [ القصص : 23 ] أي ما مخطوبكما ومطلوبكما من الذياد لأن مقصود نبي اللّه من قوله ما خطبكما ما سبب ذودكما الذياد أن يجاب بطلب المعونة منه لكرمه ورحمته على الضعفاء ولما كانتا من بيت النبوة حملتا قوله على ما يجاب عنه بالسبب وفي ضمنه طلب المعونة لأن اظهارهما العجز ليس إلا لذلك .